بسم الله الرحمن الرحيم
"
كُنتُم خيرَ أُمّةٍ  أُخّرِجَت للناس "
                                                               صدق الله العظيم

 

"  اللؤلؤ الفريد في التُراث المجيد  "

 

                                                                                                             أ.د. عبد المجيد حمزة الناصر
                                                                      
                                      رئيس الخبراء/ مركز وزارة

ُ

ونحنُ نستشرف آفاق المستقبل، ونستذكر تأريخاً مجيداً ما زالت دروسه وعِبَرهِ وسِجلّهِ الخالد طريق النور والحياة حيثُ شعت أنوار المدارس والجامعات على العالم من عواصمنا العربية ومن بينها بغداد جامعة القلوب، عاصمة الدنيا وشاغلة الناس، واندفعت من ارض الرافدين أولى الشذرات المكتوبة لِتُبشِّر بعصر الاستجابة الخلاّقة للفِكر المتوثب نحو الغد.

نفتخر ان تأريخنا العلمي والحضاري مُتصل ومُستمر ومُتطور تميّزَ بطابع التوثب والانطلاق. فكلّما خفتت أنوار الأمة بسبب عاديات الزمن عادت بفعل الأخيار وهُم كُثر لتجمع طاقاتها وقواها وتندفع قوية لتأخذ موقعها اللائق، وتعيد أمجادها ورسالتها الحضارية من أجل العلم والحق والخير والعدل والصلاح والإخاء.

وفي هذا المبحث سنتحدث وبتركيز شديد عن انطلاقة بعض روّاد هذه الأمة الأوائل في أرجاء العالم وشعوبه ليضيفوا مساهماتهم الحضارية الفريدة في نوعها التي أدهشت الغرب وسموها  "المعجزة التي تحققت".

ويكفينا فخراً واعتزازا أن نُذكِّر بعينة من الأعمال البحثية لأولئك الروّاد العظام، على سبيل المثال لا الحصر مِمَّن ابتدعوا طريقة البحث القائم على التجربة وكان شعارهم في أبحاثهم: ((الشَكّ هو أول شروط المعرفة)).

 تلك هـي الكلمات الخالدة التي عرفها الغـرب بعدهم بثمانية قــرون طِوال. وعلى هذا الأساس العلمي سار روّاد الأمة في العلوم الطبيعية مما كان له الأثر البالغ على مفكري وعلمـاء الـغـرب أمثال: روجر باكون (Roger Bacon) ماجنوس (Magnus) وفيتليو (Vitellio) وليوناردو دافنشي (Leonardo da vinci)  وغاليليو.

وابتكروا الطرق التجريبية في الكيمياء والفيزياء والطبيعة والحساب والجبر والجيولوجيا وحساب المثلثات والطب والفلك والجغرافية وعلم الاجتماع. فضلاً عن عدد لا يُحصى من الاكتشافات والاختراعات في مختلف فروع العلم ، وقدمّوا على طبق من ذهب وبساط من نبات المسك والعنبر أجمل هدية للغرب ألا وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدّت للغرب طريقة لمعرفة أسرار الطبيعة ، وما أجمل قول جوته في (الديوان الشرقي الغربي):

" وهكذا وَجَبَ أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح في هذا محمد، الذي اخضع العالم كله بكلمة التوحيد".

      " رائع هو الشرق،  فالذي يحب حافظا ً"  ويعرفه يَعلَم وحده ما أنشده ((كالدرون)).

فمِن كُتب الجبر للخوارزمي، وللعالم أبي كامل، ومن مخطوطات البيروني وأبن سينا أستمد (ليوناردو البيزي) معلوماته في المعادلات الثلاثية والرباعية وصنفها في كتابه المشهور (Liber abaci) ، كما أن العالِم الألماني (فون إمبرشتاين) اعتمد كتاب أبناء موسى بن شاكر ، وكتاب ثابت بن قرّة في تدريسه علم الهندسة. ونقل الغربيون دراسات ابن الهيثم لانعكاس الضوء وتجاربه بالمرايا والعدسات المستديرة والاسطوانية وقوانين الرؤية والوصف الدقيق للعين.

واعتبر علماء الغرب ابن الهيثم المؤسس لعلم البصريات التجريبي في الحضارة الإنسانية، وأفضل ما قاله علماء الغرب بحق ابن الهيثم:

(إنَّ ابن الهيثم وهو يحيا ظروف القرن العاشر للميلاد إلاّ أنَّ عقله ينتمي الى القرن العشرين).

أما في الطب فلقد قيل عن ابن سينا والرازي في الغرب (الأيدي الشافية) وقال (أغريبا فون نبتسهايم):

"استقبلت كتب ابن سينا والرازي بالثقة عند الغرب إلى درجة أنه إذا ما حاول امرؤ ما ممارسة الطب دون الاستناد إليها ، أُتُّهمَ بالعمل على الأضرار بالمصلحة العامة".

وجاء ابن النفيس بنظرية الدورة الدموية الصغرى قبل العالم هارفي بأربعمائة عام، وقبل العالم سارفيتوس بثلاثمائة عام. لقد وصف الدورة الدموية الصغرى بوضوح وسلاسة سماها الغربيون "وضوح الماس وسلاسة الماء العذب".

ونبغوا في علم الفلك وبنوا المراصد الجوية. وقد اخذ الغرب عن العرب أسماء النجوم ويؤكد هذا الرأي وجود ما يقرب من (160) كلمة عربية فلكية يستعملها الغربيون في هذا اليوم. وبقيت خريطة الجغرافي الإدريسي ثلاثة قرون تسد الفراغ في الغرب ، كما ظلّت أعمال ابن سينا المرجع الأساسي للجيولوجية الأوروبية حتى القرن الثامن عشر، ويظل ابن خلدون مؤسساً لعلم الاجتماع في الحضارة الإنسانية.

ولم أجد ابلغ من مقولة سودهوف(Sudhoff)   

"وآية عظمة، وأية عبقرية هذه التي جمعت كل هذه المعارف النظرية والعملية لكل الاختصاصات ونظمتها بشكل فريد في نوعه هي الأصالة بعينها ولكل العصور".

وأملنا كبير بزملائنا التدريسيين الأفاضل وأبنائنا الطلبة الأعزاء الاستفادة من هذه الشذرات اللؤلؤية الفريدة عند السلف الصالح لشحذ الهمم للوصول إلى تعليم أعلى فعالية وكفاية، وبحوث خدمية هادفة رصينة تخدم المجتمع والإنسانية جمعاء.

وتفاؤلنا لا حدود له بأنَّ هذه الأمة بأبنائها البررة ما زالت قادرة على أن تَفعَل وتُبدع كما فعلت من قبلُ وأبدَعَت فقد خُلقَت هكذا.

فالعلماء قادمون ....

ومن الله السداد والرشاد

 

bottom