بسم الله الرحمن الرحيم
"
ورفع بعضكم فوق بعض درجات "
                                                               صدق الله العظيم

 

"  مستقبل التعليم العالي الحفاظ على الهوية وحتمية المواكبة   "

 

                                                                                                             أ.د. عبد المجيد حمزة الناصر
                                                                      
                                      رئيس الخبراء/ مركز وزارة

أما بعد فيكاد يجمع الخبراء في مجال التعليم العالي حول التساؤل التالي:
إلى أي مدى يمكن في العصر الراهن وعلى مستوى التعليم العالي تحديدا ً: الحفاظ على الهوية ومواكبة التقدم العلمي
؟
سؤال واضح لفظا ولكنه  (صعب / بسيط) مضمونا.

        فالخيرون من التربويين وهم كثر في بلدنا العزيز يؤمنون ان تاريخ الأمة العلمي والحضاري متصل ومستمر ومتطور من اجل العلم والحق والخير والعدل والصلاح والإخاء وأجمل ما قاله الغرب في ذلك " وأية عظمة, وأية عبقرية هذه التي جمعت كل هذه المعارف النظرية والعلمية لكل التخصصات ونظمتها بشكل فريد في نوعه هي الأصالة بعينها ولكل العصور".

ويرون إن إدخال تكنولوجيا التعليم المعاصر لا يلغي عناصر أساسيات نظم التعليم وخصوصياتها بل يضيف  إليها مميزات  تساعد وتسهل الاتصال التعليمي التربوي التفاعلي (Multimedia Interactive Collaboration) في داخل المنشآت التعليمية وخارجها وتطور المحتوى العلمي للمناهج  والمواضيع الدراسية.
         ان التفاعل مع المستجدات العالمية في النظم التعليمية ومواكبة التطورات التقنية السريعة  دون الانبهار والذوبان في ثقافة الأخر او الانكفاء على الذات مع الالتزام بالقيم والتراث وعلياء الماضي  المتجدد  يجعل  التعليم العالي موصول الإسناد بالماضي العتيد مستمر الحياة في الحاضر المكين ليتعايش ويتكامل مع المواكبة، ذلك لأن إعداد  فكر الإنسان وثقافته يجب أن يرتبط بتراث البلد وماضيه مثلما ترتبط الشجرة بتربتها وبيئتها المحيطة.
       صحيح أن رسل التعليم العالي يؤكدون أن التعليم العالي مرحلة علمية محكومة بما قبلها ومشدودة إلى ما بعدها  فالتعليم العالي هو نتيجة للمراحل السابقة من التربية والتعليم, سواء تلك التي تؤطرها الدراسة الثانوية وهو بذات الوقت جسر. الهدف منه الارتباط  بعوالم تعيد أنتاج الشخص والشخصية وضمان التوازن في المناهج بما يحقق تأهيل الخريج للقيام بأعبائه المهنية المختلفة وتحقيق أهداف التعليم الجامعي في أفضل صيغ الربط بين الجامعة والمجتمع وصولا إلى الإنسان الخريج المتفتح الناضج المعتز بتراثه المجيد والملم بمتغيرات الحاضر وجوانب التكنولوجيا الحديثة. هذا الإنسان هو نتاج نظام تعليمي حديث مرن ومتطور يعكس احتياجات المجتمع الذي ينشأ فيه ويلبي متطلباته (نظام مواكب للتقدم العلمي متسارع الخطى).
وهنا تطرح بصدد المواكبة التساؤلات التالية:-

ماذا نواكب ؟
ولمن نعد الملاكات المواكبة ؟
لنا أم لغيرنا ؟ هل للوطن أم لبلدان العالم (العقول المهاجرة) ؟
ثم هل مازالت مهمة التعليم العالي هي مجرد تخريج الملاكات العلمية ؟  أليست  مشكلة التعليم العالي تطرح نفسها اليوم على مستوى الثقافة والتكوين الثقافي ؟
هل العالم الذي تنشره وتكرسه الثقافة المعاصرة وتسميه بالعالم الافتراضي او الاعتباري (
Virtual ) الذي يتجاوز الجغرافيا والتاريخ لابل  انه لا يسمح  بمجرد التفكير في شيء اسمه (الهوية)  وهل يمكن الكلام عن الهوية خارج الجغرافية والتاريخ ؟

إن  الثقافة المعاصرة كما يراها كثير من التربويين هي طموح إلى الهيمنة الشمولية على عالم الإنسان المادي (الواقعي) منه والروح, فإنها تحاول أن تخترق معطيات العالم الواقعي وذلك عن طريق تسويق المنتوجات المصنعة المادية وشبه المادية والثقافية وشبه الثقافية كما وتحاول أن تخترق معطيات العالم الغيبي بأفلام (الخيال العلمي).
كل ذلك عبر عملية تداخل الثقافات بادئ ذي بدء وعبر صراع الحضارات في هذا العالم الجديد. هذا العالم الجديد الافتراضي له لغة خاصة ورؤية خاصة وقيم خاصة. فكيف إذاً  يجب أن تبنى الاستراتيجيات التعليمية للحماية من السلبيات أولا والتناغم مع ايجابيات هذا العالم الجديد ؟

 نعم نريد علاقة تناغم واشتراك وتواصل,علاقة  تنفي الهيمنة بأنواعها وأشكالها وتؤسس لمجتمع إنساني متكامل  في جملة من القيم الإنسانية  التي تتمحور حول:-
الاحترام المتبادل والمشاغل الإنسانية المشتركة كالعناية بالنظام البيئي وإيلاء العلم ما يستحقه من اجل ضمان الحرية والمواطنة والرفاهية وصيانة الموروث الثقافي. وكذلك الانفتاح على مختلف التجارب العلمية في البلدان المتقدمة  وإنتقاء  أفضل ما يستجد  في النظم التعليمية  والتطورات التقنية وتطويع الوسائل التقنية لتوصيل المعلومات مثل:-

الوسائط المتعددة , والمحاكاة التفاعلية , والانترنيت وتحافظ على التراث / الأصالة. بوصفه المقوم الأساسي والرئيسي للهوية ومواكبة الحداثة التي ننشدها ونخطط لها حتى نكون في مستوى عصرنا الحالي  وتكون جامعاتنا بتسلسل متقدم ضمن جامعات العالم.
أن مجالات التفاعل عديدة ومتنوعة في عصر الالتقاء في منظومة ال(نحن) ويبقى الإنسان القيمة العليا الأساسية  التي يتوجب أن تتظافر الجهود الخيرة للمحافظة عليها وصيانتها والارتقاء بها  من خلال تفاعل القيم الاجتماعية  مع القيم الإنسانية.

وتفاؤلنا لا حدود له. بأن هذه الأمة بأبنائها البررة  مازالت قادرة على أن تفعل  وتبدع  كما فعلت من قبل وأبدعت. فقد خلقت هكذا:-
                                                   (كنتم خير امة أخرجت للناس)
والعالم القرية يبقى مشروعا مفتوحا بالإمكان المشاركة في تشييده بدون تعصب وبدون إهمال  للثقافات الأصيلة أو انحلالها  وذوبانها وذلك بإرادة الاستقلال و إستقلال الإرادة.

        

ومن الله السداد والرشاد ونجاح المسعى

 

28-06-2010

bottom