بسم الله الرحمن الرحيم
"
ورفع بعضكم فوق بعض درجات "
                                                               صدق الله العظيم

 

"  دراسات في أصلاح التعليم العالي ( 5 )  "

 

                                                                                                             أ.د. عبد المجيد حمزة الناصر
                                                                      
                                      رئيس الخبراء/ مركز وزارة

  

        لا يختلف اثنان بأهمية التعليم العالي وقدسية رسالته الإنسانية في إعداد الإنسان الصالح وأنّ رقيّ المجتمع ورفاهيته واستقراره لا يتم إلاّ بتلاحم التعليم العالي والتربية والتنمية المستدامة معاً إذ بهم تزدهر الحضارات وتتسامى الثقافات وتعمر البلدان بالسعادة والطمأنينة النفسية والتقـدّم المعرفي، وتنفيذاً لتلك القناعات بدأت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومنذ بداية تأسيسها في عام (1970) بعدد من الوقفات التقويمية والمؤتمرات العلمية للنهوض بالتعليم العالي والبحث العلمي، ترسيخاً لمسيرته العلمية والتربوية واستجابة لحاجة البلد وتحقيقاً للطموحات الكبيرة وترصيناً للحالة العلمية والقيمية وتوسيعاً للرسالة التعليمية التربوية السامية واستثماراً للتكنولوجيا المعاصرة والاتصالات الحديثة وإفادة من ابتكارات الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت) وخدمة للإنسانية وللمستفيدين الذين يتوقون الى مزيد من العلم والثقافة وكثير من الخبرات والمهارات.
        وباعتزاز وثقة نقول: بأن التحولات النوعية التي تجري في العالم المعاصر وبوتائر متسارعة تلقي على عاتق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مسؤولية مزدوجة فمن ناحية عليها أن تواكب الجهود المبذولة لتجاوز الواقع وتحقيق الطموح / ومن ناحية أخرى عليها أن تخلق رؤية واضحة ودقيقة لما سيحدث في مديات الزمن المختلفة بحيث تكون دائماً بعون الله تعالى متقدمة في رؤيتها على بقية الوزارات والمؤسسات الأخرى القائمة في المجتمع
، لأنها بعلمائها المتخصصين في كافة مجالات المعرفة الأعمق إدراكاً لفهم المجتمع في واقعه والأكثر قدرة على رسم أهدافه وبناء إستراتيجية متكاملة الأبعاد في مراحلها رصينة في شموليتها وواضحة في آلياتها تحترم الزمن في مدياته وواقعية في المستلزمات لترجمة الأهداف الى سياقات عمل بطريقة فعالة، وانطلاقاً من هذه المعاني السامية نؤمن بأن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي هي الجهة المسؤولة في التفكير الدائم في خدمة الإنسانية وبلدنا العزيز في العلم المعاصر النافع والمهارة الفنية الدقيقة والإبداع الفكري والخبرة الميدانية المفيدة وبكل فكر جديد وعمل متميزّ.

التعليم العالي المعاصر النافع: يكاد يجمع التربويون بأن التعليم العالي المعاصر النافع، هو ذلك التعليم الكفيل بأن يستخلص من بحر المعلومات. المعلومات الحية القادرة على التأثير وتأسيساً على ذلك فأن جوهر التعليم العالي المعاصر النافع هو نقيض التعليم القائم على التلقين فهو تعليم يقوم على آلية أساسها فـّن الانتقاء وفــّن التحليل والتركيب بل هو فـّن اكتشاف علاقات بين ظواهر لا تبدو مترابطة وأن يشكل البناء التركيبي الناجم عن اكتشاف هذه العلاقات نقطة انطلاق لفهم جديد و رؤية جديدة، وعليه فأن التعليم العالي المعاصر النافع لا يعني مجرد جمع المعلومات وإنما يستلزم فوق ذلك أبتداع أدوات للتعامل مع المعلومات تكسبها على الدوام أبعاداً جديدة وقدرة تأثير أكبر. ويترتب على هذا الإدراك قضية مهمة هي أن قيمة ما نعلمه إنما تكمن في قدرته على التأثير والتغيير وإنه في غياب عمل إبداعي مؤثر فأن العلم لا يكاد يكون له وجود أصلاً.
        أن ما يشهده العالم اليوم من نهضة علمية غزيرة وثقافية هائلة وتدفق في المعلومات وتقدم تكنولوجي دقيق واتصالات سريعة دفع المؤسسات التعليمية المعاصرة الى التسارع في استثمارها عن طريق ابتكار طرائق تعليمية متميزة خدمة لطلبة العلم ونوراً للحضارة البشرية المعاصرة، فالمؤسسات التعليمية كانت وستظل ميداناً علمياً بارعاً وروحاً حضارية زاهية ورسالة إنسانية زاهرة. فهي مصدر إشعاع للفكر وحرم للعقل والضمير وعامل دفع وتنشيط للحركة العلمية والثقافية في البلد وعامل وحدة وتنمية للمجتمع العراقي بأسره تواكب التطور على الساحة الدولية من جهة .وتمدّ المجتمع بذوي التأهيل العالي في التخصصات المتعددة وفقاً لاحتياجات التنمية الشاملة من جهة أخرى ولتحقيق ذلك لابد من:

  •  تطوير مضامين التخصصات التقليدية بما يتلائم والتطورات المعاصرة المتسارعة.

  • انتقاء التخصصات الجديدة كي تكون في المقدمة الفاعلة في التأثير في القضايا المجتمعية التي هي من صلب اختصاصها.

  • توجيه الموفدين (المبعوثين) للدراسة بالخارج لدراسة تخصصات حديثة تتطلبها التنمية الشاملة.

  • تخطيط التعليم العالي وتنسيقه مع برامج التنمية وحاجات المجتمع كي لا تفرز تراكمات في تخصصات معينة (بطالة مقنعّة) وانحسار تخصصات مطلوبة مما سيؤثر سلباً في جودة الخريج فلا بد إذاً من الاستجابة بكفاءة وفاعلية لتلبية وتغطية متطلبات التنمية الشاملة في الاختصاصات العلمية الحيوية. 

  • توفير المناخ الأكاديمي الذي تسوده المعرفة والحوارات العلمية البناءة الهادفة الى غرس بذرة التطوير لأحداث تغيير جذري ونوعي في مفاهيم وأساليب وممارسات التعليم العالي المعاصر النافع والتحول من الكم الى الكيف ونقل بؤرة الارتكاز من التعليم الى التعلم ومن المعلم الى المتعلم، ومن الحفظ والاستظهار الى التفكير والابتكار.

  • إعادة هيكلة الموازنة وتعظيم الصرف على الجوانب النوعية في العملية التعليمية من اجل تحسين المخرجات. على أن تقاس معدلات الصرف على العملية التعليمية وكفاءة الإدارة على وفق المعايير العالمية في هذا المجال.

         فهل نتفق على أن التعليم العالي المعاصر النافع: هو التعليم المبني على جهد المتعلم وقدرته الفطرية ورغبته في الدراسة والتدريب المنظم والتطبيق الميداني المتواصل للحصول على خبرات حياتية متجددة؟

 

- وللحديث صلة -

        

28-07-2010

bottom