|
بسم الله الرحمن الرحيم "
ومِنْ يُوتَ الحكمة َ فَقدَ أُوتي خيراً كثيرا
"
صدق الله العظيم
"
قيــمة
العــلم "
أ.د.
عبد المجيد حمزة الناصر
رئيس الخبراء/ مركز وزارة
ُ
المقدمــة:
كلما
أريد أن أكتب أتذكر أحد الفلاسفة عندما سأله أحدهم: كيف
تكتب؟ فأجابه: (آخذ ورقة وقلماً واكتب)، فسأله ثانية (ولكن
ماذا تكتب؟) فأجابه: (هذه هي المشكلة). وها أنا ذا أحاول
أن أكتب شيئاً يُعدّ قطرة من بحر. غير أني طالب علم عاشق
لكل ما هو جميل وسام وأصله أغلى من الذهب ذلكم هو "قيمة
العلم".
فقد جاء في "الغرر والدرر" أن العلم: لا كنز أنفع منه، ولا
عّز اشرف منه ولا دليل أنجح منه، به تعرف الحكمة وتكون
الحياة. وهو نعم الدليل ونعم القرين" فالعلم: هو المعرفة المنسّقة والمصنّفة (Systematized
Knowledge)
التي تم الوصول إليها بأتباع قواعد المنهج العلمي الصحيح
مصاغة في قوانين عامة للظواهر الفردية المتفرقة ويعتمد
العلم كوسيلة للإنسان للسيطرة على ما يحيط به من بيئة
(مادية أو اجتماعية) من خلال ما يحصل عليه من معرفة بحقائق
عن الطبيعة وحقائق عن الإنسان والمجتمع.
أما البحث العلمي فهو وسيلة أو طريق للوصول الى المعرفة
واكتشاف معلومات أو علاقات جديدة وصولاً الى حلّ للمشكلات
التي تواجه الإنسان، بأتباع المنهج العلمي، الذي يتسّم
بالموضوعية والدقّة والصحّة، التي تسمح بالتأكد من النتائج
وإمكانية الاستشراف.
شذرات من قيمة العلم في التراث
المجيد
لقد جاء الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بكلام الله
المجيد ذي الحلاوة والطلاوة والتلاوة وحسن الأسلوب في
التعبير والأعجاز في الفصاحة. فحيّر البلغاء وأذهل
الفصحاء، حتى المشركون أعجبوا بهذا الكلام، فهذا الوليد بن
المغيرة يجادل قومه في أسلوب القرآن وقد أدعوا أنه شعر أو
سجع الكهّان فردّهم قائلاً: (( فو الله ما منكم رجل أعرف
بالأشعار منّي ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن،
والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا والله أن لقوله الذي
يقوله حلاوة وأن عليه لطلاوة، وأنه لمثمر أعلاه، مغدق
أسفله، وأنه يعلو ولا يعلى عليه، وأنه ليحطم ما تحته)).
فجاء كلام الله تعالى داعياً الى تحريك العقل من وهدة
التبلّد في أكثر من خمسين آية وعشرات الآيات في إيقاظ
الحواس من سمع وبصر ولمس. وعشرات أخرى في إيقاظ التفكير
والتفقه وطلب البرهان. "وفي الأرض آيات للموقنين وفي
أنفسكم أفلا تبصرون".
وحسبنا أن نشير أن كلمة العلم بتصريفاتها المختلفة قد وردت
في القرآن الكريم في أكثر من سبعمائة وخمسين آية. ودعا الى
التفكر في الآيات السماوية والنجوم المضيئة والاختلافات
العجيبة في أوضاعها والنظام المتقن الذي تسير عليه وفي خلق
الأرض وما في بطونها من العجائب واختلاف الليل والنهار
وتبّدل الفصول السنوية: (إن ّفي خلق السماوات والأرض
واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب).
والتفكرّ في عجائب النبات والنظام الذي يسير عليه وفي خلق
الحيوانات وآثارها وخلق الإنسان والأسرار المودعة فيه: "هو
الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً
ثم لتبلغوا أشدكم".
والتفكرّ في آثار الأمم الماضية واستخلاص العبر ودراسة
الحاضر واستشراف المستقبل: " قد خلت من قبلكم سنن فسيروا
في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبّين".
فكان كلام الحق المبين هو الدافع الأساس لتعلّم العلوم
الطبيعية والرياضية والفلسفية وسائر العلوم التي يصل إليها
الفكر الإنساني . فبدأت حركة الترجمة من اللغات اليونانية
والسريانية والهندية إلى العربية في بداية الأمر. ثم
الاستقلال والإبداع والابتكار لنفع الإنسانية جمعاء وإسعاد
البشرية بمعرفة الحق والحقيقة. فكانت الأصالة العربية التي
أدهشــت الغرب فســماها "بمعجزة العرب" وبرز في سـماء
المجد علماء موسوعيون نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:
(إبن النفيس، إبن الهيثم، جابر بن حيان، الرازي، ابن
البيطار، الكرخي، محمد بن موسى، ابن الساعي، الفراهيدي،
ابن خلدون، ابن رشد، الجاحظ، الفارابي، الزهراوي، المغربي،
الادريسي، ابن بطوطة، وغيرهم كثير).
قبسات من صنعة العلم
يقول أبو يوسف إسحاق الكندي في رسالة الحدود
والرسوم: "الفلسفة معرفة الإنسان نفسه" إذ أن تعامل
الإنسان مع العالم يبدأ من معرفة نفسه ليدرك عن طريقها
علاقته به ويحدد موقفه منه ويوظف فعاليته على وفق حاجته
إلى البقاء. والمتتبع الحصيف لسفر الأمة الحضاري الخالد
يرى أن العلم الذي أسسه علماء الأمة تتمثّل اعتباراته
الجمالية في كون نبعه إنسانياً وفي مضمونه كيانياً، وفي
فاعليته زمانياً، أميناً، صادق المعرفة يقوم على
الأخلاقيات التي تقتضي مراعاة خدمة الإنسانية جمعاء وتعالج
قضايا الإنسان بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الحيز
الترابي أو البعد التاريخي. فكان
ذلك "التناغم الأنيق بين العقل: مدار المعرفة ومصدر
الفلسفة وميدان الجدل والحوار واستنباط الأفكار وطرح
البراهين واللسان: وسيلة الحوار الذي يستعين
بالمنطق الصحيح كي يسّتمد منه الأدلة وتوليد الأفكار
والمعاني" .
فالعلم عند علماء الأمة كان متوازناً "قلب عقول ولسان
سؤول". تتجلّى غايته في مدى وفائه للحقيقة من جهة وتوظيف
هذا الوفاء الذي ينتج
عنه الصدق المعرفي والصواب العلمي
للبناء الحضاري من جهة أخرى.
فما
قيمة العلم الذي لا نستفيد منه في حياتنا المعاصرة ويقف
متفرجاً أمام مشكلاتنا الأساسية؟. إذ لا يعقل علم بدون
ميدان، كما لا يعقل أن يكون للعلم ميدان يشكّل موضوعاً
للعلم دون علم".
فالعلم عند السلف الصالح ذو أسس ومعايير جمالية تمتزج فيه
الروح العقلية والبصيرة العلمية النافذة التي تؤكد الفطنة
والكياسة والملكة البحثية بحسن تخيّر اللفظ وأناقة الإخراج
وحلاوته وإصابة الغرض . فتتحقق الاستجابة بسبب مباشر من
الأسلوب شكلاً ومضموناً وطريقة وأدلة صدقاً و وضوحاً
وأمانة علمية هذا يجعلنا نخالف وبشدة من يقول أن العلم:
"آفة ونكد وإضاعة وإستجاعة" ونؤكد أنه إستجاعة وإستجاعته
أنك لا تشبع منه".
وصدق
نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) حيث قال: "منهومان لا
يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه، ومنهوم في الدنيا لا
يشبع منها". فالعالم مهما بلغ من مراتب علمية فأنه يظل باستمرار يبحث
عن مواطن جهله الى من يعلمه. وهذا التواضع العلمي في مدرسة
السلف الصالح تجسيداً لقوله تعالى "وفوق كل ذي علم عليم". وما أجمل التواضع العلمي للأمام الشافعي (رحمه الله) حيث
يقول: "وكلمّا إزددت علماً كلما إزددت علماً بجهلي".
لقد
قيل: إن من بين تلك القيم العظيمة التي تكيف نشاطاتنا
وتجعل حياتنا جديرة بأن تعاش: "الأيمان والطيبة والجمال
والحقيقة". وكانت الحقيقة تشكّل المجال الذي أنصب عليه
الاهتمام الرئيسي للعلم. فالحقيقة بالنسبة للعلم هي: قضية ذرائعية (pragmatic)
وما من شك في أن العنصر الجمالي في العلم هو المبرر الرئيس
للاهتمام الذي حظي به. يقول العالم بوانكريه: "ولو لم تكن الطبيعة ذات انسجام من
الجميل تأمله فأنّ العلم لن يستحق السعي في طلبه والحياة
لن تستحق أن تعاش". ويكتب أينشتاين لماكس بلانك قائلاً: "إن الحنين لرؤية ذلك
الانسجام المسبق هو مصدر المثابرة الدائبة والصبر الذي لا
ينفد". أما فرداي (Faraday)
فيقول لتندل (Tyndall):
"أنت شاب وأنا طاعن في السن، لكن مواضيعنا عظيمة الى درجة
أنّ الاشتغال بها يبعث الفرح والتشجيع في نفس أوهن الناس،
ويبعث الغبطة والسحر في نفس أقواهم".
إن
كل الخطوات العلمية قد جاءت بدافع الرغبة في الكشف عما
دعاه العلماء "الانسجام المسبق" والعلم هو الفعالية
البشرية التي يكون فيها الصدق وبشكل واضح شرطاً ضرورياً
للنجاح. فالصدق في حقيقة الأمر هو مقياس نجاح العلم وهذا
أمر صعب بالنسبة لأية فعالية بشرية أخرى. فلولا العلم تكون
الحقيقة وسيلة لا غاية. وهكذا فأن التكامل الخلقي البديع
الذي يتجلى في العمل العلمي يظهر لنا الى أي حد يمكن
للإنسان أن سمو ويرتفع في "صنعة العمل" فرجل العلم: (صادق،
ذكي، أمين، مجتهد، صبور، مستقيم، متواضع) هو في عمله فنّان
ومعياره الخلقي معيار رفيع وبشأن هذا الموضوع يردد الأمام
الشافعي (رحمه الله) هذه الأبيات:
سآتيك عن تــفصيلها ببيان وصحبة أستاذ وطول الزمان |
أخي لن تنال العلم الاّ بستة ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة |
ويُجمع الكثير من عُلماء العصر الراهن إلى الأستنتاج "بأنّ
للعالم مصمماً رياضياً أتقن كُلّ شيء".
فتبارك الله أحسن الخالقين
|